أحمد بن علي القلقشندي

222

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

صلاة طيّبة تعبق تأريجا وتضوع تعريفا ، وعلى آله وأصحابه الطاهرين الذين حضروا حروبا وشهدوا زحوفا ، والدعاء لسيدنا الإمام أمير المؤمنين في نصر عزيز يؤنّس مذعورا ويؤمّن مخوفا ، فإني كتبته - كتب اللَّه لكم دعة حافظة وأمانا ، وتصديقا بآيات اللَّه البيّنة وبرهانا - من موضع كذا ، عندما طرأ علينا ما كحل العيون بقذاها ، ومنعها لذيذ كراها ، وأخفق الضّلوع الحانية وأقلق مصارين حشاها ، وهو أنّ اللَّه ، عزّ وجلّ ، ذكَّر عباده إن نفعت الذّكرى ، ونبّههم إن تنبّهوا ولم يأمنوا منه كيدا مبيرا ولا مكرا ، وذلك بزلزال قضى به على قرطبة وبعض أعمالها ، وملأ نفوس ساكنيها من روعاتها وأوجالها ، وحالت لذلك في الخوف ( 1 ) والارتفاع أقبح حالها ، حتّى نحوا إلى الاستكانة والضّراعة ، وأطاع اللَّه من لم يكن له قبل ذلك طاعة ، وخشوا بل كانوا يوقنون أنّها زلزلة الساعة . وكان من عظيم آثارها ، وكريه إيرادها وإصدارها انهدام القبّة العظمى في المسجد الجامع صانه اللَّه ، وكانت قبّة أسّس على التّقوى بناؤها ، وذهب في المشارق والمغارب ذكرها العاطر وثناؤها ، وتهدّمت بسبب ذلك الهدم ديار كثيرة ، وحدث به حوادث مبيرة . وأما تلوكة من أعمالها ، وكان فيها مبنى من مباني الرّوم ، فإنه غادرها قاعا صفصفا ، وقرا نفنفا ، واضطرّ ذلك الخطب الفادح ، والرّيح القادح ، إلى أن خرج السيّد أبو إسحاق وكافّة أهل قرطبة من ديارهم ، وفرّوا من الموت بأقواتهم وأصحابهم ، ثم إنّ اللَّه عزّ وجلّ تدارك بالرّحمى ، وكشف تلك الغمّى ، جعل اللَّه ذلك صقلا لقلوبنا ، وتوبة عما سبق من ذنوبنا ، وعصمنا من جرمنا الموبق وحوبنا ( 2 ) وأولانا وإيّاكم أمنا من الغير ، وازدجارا بما ظهر من العبر ، وجعل كلانا ( 3 ) جميل الحوادث طيّب الخبر ، بمنّه ، والسّلام الطيب المبارك ورحمة اللَّه وبركاته .

--> ( 1 ) لعله : « في الخفض » . حاشية الطبعة الأميرية . ( 2 ) الحوب ، بضم الحاء وسكون الواو : الإثم . مختار الصحاح ( حوب ) . ( 3 ) جرى الكاتب في « كلا » على لغة من يعربها إعراب المقصور . حاشية الطبعة الأميرية . وكان الأحرى به أن يقول : « وجعل كلينا » لأنها أضيفت إلى ضمير الجمع « النون » ، ومتى أضيفت إلى مضمر قلبت ألفها ياء في موضع النصب والجر فنقول : رأيت كليهما ومررت بكليهما . انظر مختار الصحاح ( كلا ) .